الشنقيطي

193

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

تنبيه فإن قيل : ما وجه تحملهم بعض أوزار غيرهم المنصوص عليه بقوله : وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ الآية ، وقوله : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ مع أن اللّه يقول : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * ، ويقول جل وعلا : وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها [ الأنعام : 164 ] ، ويقول تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 134 ) [ البقرة : 134 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . فالجواب - واللّه تعالى أعلم - أن رؤساء الضلال وقادته تحملوا وزرين : أحدهما - وزر ضلالهم في أنفسهم . والثاني - وزر إضلالهم غيرهم ؛ لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا . وإنما أخذ بعمل غيره لأنه هو الذي سنه وتسبب فيه ، فعوقب عليه من هذه الجهة لأنه من فعله ، فصار غير مناف لقوله وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ * الآية . وقال مسلم بن الحجاج رحمه اللّه في صحيحه : حدثني زهير بن حرب ، حدثنا جرير ابن عبد الحميد ، عن الأعمش ، عن موسى بن عبد اللّه بن يزيد ، وأبي الضحى عن عبد الرحمن بن هلال العبسي عن جرير بن عبد اللّه قال : جاء ناس من الأعراب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عليهم الصّوف . فرأ سوء حالهم ، قد أصابتهم حاجة فحثّ النّاس على الصّدقة فأبطؤوا عنه حتّى رئي ذلك في وجهه . قال : ثمّ إنّ رجلا من الأنصار جاء بصرّة من ورق ، ثمّ جاء آخر ، ثمّ تتابعوا حتّى عرف السّرور في وجهه . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء . ومن سنّ في الإسلام سنّة سيئة فعمل بها بعده ، كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء » « 1 » اه . أخرج مسلم في صحيحه هذا الحديث عن جرير بن عبد اللّه من طرق متعددة « 2 » . وأخرجه نحوه أيضا من حديث أبي هريرة بلفظ : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من دعا إلى هد كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا . ومن دعا إلى ضلالة ، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا » « 3 » اه . قال مقيده عفا اللّه عنه : هذه النصوص الصحيحة تدل على رفع الإشكال بين الآيات ، كما تدل على أن جميع حسنات هذه الأمة في صحيفة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فله مثل أجور جميعهم ؛

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في العلم حديث 15 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الزكاة حديث 69 ، والعلم حديث 15 . ( 3 ) أخرجه مسلم في العلم حديث 16 .